الإثنين 28 تموز 2014

من "مؤتمر دير الزور" إلى استانبول والدوحة: هكذا ولد "التيار الأميركي" في المعارضة

من"الحقيقة" : يشكل هذا المقال الجزء الثالث، أو "المقال الثالث"، في السلسلة التي يكتبها المهندس فاتح جاموس ـ القيادي في حزب العمل الشيوعي، عن مسار المؤتمرات واللقاءات "التوحيدية" التي عقدتها المعارضة السورية على امتداد السنوات العشر الماضية تقريبا بهدف إيجاد إطار سياسي معارض موحد لدحر الديكتاتورية وإسقاط النظام. وفي هذا المقال / الجزء يكشف جاموس عن وقائع وأحداث وأسرار، لاسيما ما جرى في "مؤتمر دير الزور"، تشكل الجذور الفكرية والسياسية  لأصحاب "التيار الأميركي التدخلي" في المعارضة السورية الحالية ، والرحم الذي ترعرع فيه ذلك التيار قبل أن يولد على أيدي قابلات خارجية أو بتحريض منها ، بالمعنى الذي يستخدمه أطباء النسائية والتوليد لمصطلح "تحريض الطلق"!

تبقى الإشارة إلى أن العنوان أعلاه هو من وضع"الحقيقة"، أم العنوان الأصلي فهو "مؤتمران للمعارضة في الداخل، لماذا؟ الوضع الراهن والمستقبل القريب".

ـــــــــــــــــــــــــ

فاتح جاموس

قبل انطلاق أحداث الحراك الشعبي في أواسط آذار\18 منه\،كانت المعارضة السورية مكونة من إطارين بإسمين،وتيار ثالث أو تيار وطني ديموقراطي،يجري العمل في مراحله النهائية على إطلاقه باسم وإطار آخر،انطلق من المؤتمر الذي عقد في دير الزور\2005\،شكل ذلك الوضع أساسا لأهم التطورات والانزياحات اللاحقة في مواقف قوى وفعاليات المعارضة،كذلك علاقاتها ببعضها،ثم تشكيلاتها الجديدة،رؤاها برامجها ومهماتها ومؤتمراتها،يمكن اختصار وتكثيف ذلك على الوجه التالي:

التجمع الوطني الديموقراطي:

 كان من الواضح أن التجمع قد وصل إلى نهاية عمره قبل انطلاق الأحداث السورية الأخيرة،"أعلن" ذلك إعلان دمشق "بنفسه" وتطوراته مع الزمن ،وأحس الاتحاد الاشتراكي أن مجموع أطراف التجمع قد انتقلت إلى مواقع أخرى،ولم تعد مهتمة فعليا بإطار التجمع إلا من أجل اللعب وتضييع الوقت والمناورات في صالح توجهها الجديد واختيارها لإعلان دمشق إطارا بديلا،فذلك بحسب قناعاتها وتصريحات الأشخاص الأكثر جرأة فيها،سيحررها من أشياء كثيرة على رأسها الاتحاد الاشتراكي وهيمنته على التجمع واعتباره له شيئا تاريخيا وإنجازا خاصا به ووسيلة نفوذ وصدارة إعلامية- سياسية(1)بالاضافة إلى مقولات التجمع السياسية الرئيسية في الحقل القومي والوطني،خاصة مسألة التدخل الخارجي والمشاريع الأمريكية الصهيونية،ثم كامل استراتيجية الانتقال أو التغيير الديموقراطي،الاستبطان أو التصريح بنهج إسقاط النظام ومتطلباته،خط الاختلاف والتناقض،ثم التنافس بين الاتجاه الليبرالي الخارجي التدخلي ،والآخر القومي مع بعض الشخصيات المستقلة. وهذا الآخر،بشكل خاص الاتحاد الاشتراكي ، بدا موقفه يصبح دفاعيا مجاملا وضعيفا بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد وموجة الاختراقات السياسية في المسألة الوطنية وتجادلها مع قضية الانتقال الديموقراطي،ووصول هذه الموجة إلى صفوفه كما بقية الصفوف(دون استثناء!)،فغدت محصلته الداخلية الحقيقية صعبة على الحسم والمواقف الواضحة سياسيا كالسابق. مع ذلك حاول الاتحاد تقوية موقفه داخل التجمع وليس بسبب القضايا السياسية الخلافية فقط ،بل أساسا بسبب قضايا النفوذ والمناكفات التي حصلت تحديدا مع السيد رياض الترك،وخروجه الكامل على مجمل قضايا الانضباط السياسي والتنظيمي واحترام الحلفاء. وهكذا عرض الاتحاد بنفسه على حزب العمل الشيوعي،أن يتقدم بطلب انتساب إلى التجمع،فالاتحاد جاهز لمعركة من أجل ذلك بما فيه تجاوز العقبة التاريخية القمعية والبيروقراطية(حق الفيتو)الذي سُحِب أبديا تجاه حزب العمل من قبل السيد رياض الترك. وصاحب هذا المقال (فاتح جاموس)كان قد خسر طويلا بعدم نجاح اقتراحه داخل حزبه بتقديم طلب انتساب للتجمع،وممارسة كل الجهود الممكنة من أجل ذلك،ثم فوجيء وهو في المعتقل(سجن عدرا لصيف 2006) بقبول حزب العمل بدعوة وجهود الاتحاد الاشتراكي في الدخول إلى التجمع،وكان سعيدا(أي أنا) فهذه عملية تسمح بالفرز الصريح داخل التجمع،كما سمحت عملية الانتساب لإعلان دمشق التي جرت لاحقا على الرغم من الاستبعاد والعزل والقمع الصريح لحزب العمل قبل تشكيل الإعلان . وعندما عملتُ لزمن طويل كأحد مندوبي حزبنا في التجمع بعد إطلاق سراحي من عدرا،ومشاركتي المتكررة في الاجتماعات وفي إعداد مشاريع وثائق مؤتمر للتجمع ، صدر قراره من زمن طويل،اكتشفتُ تلك التناقضات والصراعات والتنافس،كما اكتشفت ذلك في نفس الوقت والشروط والحقائق المشابهة والمسحوبة إلى إعلان دمشق(كما سنرى). وكان واضحا أن الاتحاد الاشتراكي وكذلك حزب العمل هما الوحيدان المتحمسان لعقد مؤتمر للتجمع الوطني الديموقراطي،كما عملا بجدية وثبات على توضيح وتعرية المفاهيم الاستراتيجية والسياسية عن بعضها،وإلغاء الالتباسات فيما يتعلق بالتدخل الخارجي،والانتقال السلمي التدريجي الآمن. كان البقية على العكس من ذلك تماما،وشكلوا بصورة دائمة(بلوكاً-أو كتلة متراصة)جرت نقاشات طويلة ومتكررة،ووضعت نصوص عديدة ومواعيد أولية ونهائية للمؤتمر؟!لكنها كانت حصاد ريح على حجج وأسباب صريحة في قطع أي إمكانية لتطوير التجمع،مع الحماس والتركيز في نفس الوقت على إطار إعلان دمشق. استمر ذلك بوضوح أشد خاصة بعد عقد المجلس الوطني للإعلان،ومهزلة التآمر والكواليس التنظيمية والسياسية المفاهيمية التي حصلت داخله وبعده،وغدا واضحا أن المعارضة السورية التي تمكنت على الرغم من كل شيء،أن تلتم في إعلان دمشق،وأن تصبح لديها فرصة   لتجاوز الماضي وقيام تجربة مختلفة،قد عادت سريعا إلى بنيتها وطبيعتها وتناقضاتها،وتفاعلاتها مع الشروط السورية،ما هي تحولات هذه القضية في إعلان دمشق؟!

مؤتمر دير الزور وإعلان دمشق:

 كانت من أهم الأحداث والتطورات السياسية العامة والموضوعية التي أسست لضرورات قيام إطار إعلان دمشق بأهدافه ونهجه ومفاهيمه السياسية هي في البعد التأسيسي ، سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار المنظومة الرأسمالية المتحقق بعدها،وموجة الديموقراطية والوعي الديموقراطي المرافق في المحتوى والشكل والاحتضان الرأسمالي الكامل،ثم التدخل الأمريكي الكثيف والشامل في المنطقة،الذي توج باحتلال بغداد والحفر العميق أو الاختراق العميق الذي تأسس ونشأ في أوساط النخبة السياسية والثقافية السورية على ثنائية أو مركب الوطني – والديموقراطي،بالتالي التركيز الأمريكي على الساحة السورية ووضعها على الطاولة للعمل عليها وأخذها إلى مسارات تغييرية جذرية(وطنا ونظاما سياسيا) إن أمكن ذلك. وبعد أقل من عام(آذار 2004) وقعت أحداث خطرة جدا في شمال شرق سوريا ذات طابع قومي وشعبي كردي،جرت محاولات جادة ومركزة لاستغلالها من قبل أطراف عديدة خارجية وداخلية،وتحولت محافظة الحسكة إلى محج للنخب السياسية والثقافية السورية المعارضة،المعروفة منها بعدائها القومي وتعصبها ضد الحركة الكردية،وتلك الأخرى المتضامنة تاريخيا أو المتفهمة للمطالب الديموقراطية الكردية في الإطار الوطني السوري. وكانت تلك الأيام والمنطقة مختبرا وكاشفا صريحا وهاما لتحولات وعي النخب المعارضة،خاصة ونحن جميعا على بعد أمتار من الحدود العراقية والقوات الأمريكية،تحركاتها وتهديداتها. ومن اللافت في حينه كمثل بدون حصر على تحولات الوعي والمواقف،أو القفز في الهواء بصورة براغماتية غير مؤسسة إلا على ضرورة الحركة والتخلص من النظام،بالتغاضي عن الآثار والنتائج الخطرة المحتملة على الوطن السوري،موقف حزب المكتب السياسي وأمينه العام السيد رياض الترك ،بروز التناقضات والاتهامات المتبادلة بينه وبين النخب الكردية في إحدى الندوات خارج القطر،واعتباره مع حزبه بعد أيام قليلة من تلك المشادات للتحرك الكردي – آذار  2004 -بأنه"رأس حربة النضال الديموقراطي في سوريا". ثم حصل مقتل الحريري،وإجبار النظام السوري على الخروج من لبنان على تلك الشاكلة المزرية.

 وعلى الصعيد الذاتي، شكل الإحباط في مواجهة الديكتاتورية والعجز عن إسقاطها،وإحباط انهيارالاتحاد السوفييتي عند اليسار السياسي،شكلا أساس اختراق الوعي في قضية الدور الخارجي في التغيير الديموقراطي،وأساس الإنصات للإشاعات والخارج،والقناعة بأن النظام السوري سيسقط قريبا،كذلك أساس الوعي لخلق إطار معارض جديد متفلت من القناعات والإطارات القديمة،ووسائل عملها ونهجها. وعلى ذلك المسار قامت العديد من المحاولات،اتسمت بمجموعها بالسعي لتعبئة القوى والفعاليات وما سمي بظاهرة المستقلين على أساس القبول باستراتيجية إسقاط النظام وتأمين الحلقات الضرورية لها(صراحة أو استبطانا)والقبول بالتدخل الخارجي ودوره المركزي في ذلك(أيضا بالاستبطان أو الصراحة)،وتعبئة القوى ذات الموقف المزدوج غير المحسوم والزئبقي،أو القابل للتحول والحسم على تلك الأسس،تعبئة القوى الأكثر شحناً وثأرية تجاه السلطة،بما فيه أحيانا الرموز السلطوية القيادية القديمة،ذات التاريخ الأسود،الأكثر فسادا ونهبا وقمعية. واتسعت الدائرة إلى الاتجاهات والقوى الإسلامية بكامل طيفها المعروف.هذا من جهة،ومن جهة أخرى تميزت تلك الجهود أيضا بالعزل والتجاهل والاستبعاد الصريح لكل القوى والفعاليات والشخصيات المعروفة بموقف ونهج واضح ضد التدخل الخارجي،خاصة بموقف واضح ضد المركز الأمريكي وخططه تجاه الساحة السورية والمنطقة العربية.كذلك بموقف واضح وصريح ضد استراتيجية إسقاط النظام وحلقاتها الضرورية،بمعنى آخر ضد أي التباس مهما كان صغيرا في استراتيجية الانتقال والتغيير الديموقراطي السلمي التدريجي والآمن .

جرت أكثر من بروفة أو تجربة لجمع المعارضة السورية في إطار واحد وبرنامج وسياسات واحدة،خاصة وأن الاحتلال الأمريكي لبغداد كان لا يزال طريا بحدوثه كما آثاره،محاولات لجمعها على أرضية التغيير الديموقراطي السلمي ،ورفض التهديدات والتدخل الخارجي خاصة الأمريكي والعسكري منه،أشهرها تجربة ما سمي بلجنة التنسيق،لكن أكثرها شهرة وأهمية وكشفا لحقيقة المواقف والتناقضات،ومن ثم فتح آفاق وطرق وسياقات ومحاولات جديدة متمايزة،كانت تجربة مؤتمر دير الزور،الذي عقد بجهود ودوافع ونهج وقناعات ما سمي في حينه(لجنة العمل الوطني في دير الزور)(2)حيث أجرت حوارات كثيفة ومتأنية مع كل الأطراف،ودوّرت ورقة عملها للمؤتمر ووضعتها في أيدي الجميع دون استثناء،واتضح أن الخلاف المركزي والصريح في المفاهيم السياسية الواردة في الورقة،كذلك السعي الشديد لمنع عقد مؤتمر وطني ديموقراطي للمعارضة دون وصايات،وواضح في معاداته للتدخل الخارجي،واضح فيما يتعلق باستراتيجية التغيير السلمي،اتضح أن ذلك يشكل أرضية الدوافع في التعويق والتردد والاتهامات التشويهية لمبادرة لجنة دير الزور والتلفيق عليها،ثم قرارات المقاطعة التي حصلت بصراحة،وعمليات"التخريب الكبيرة والسيئة داخل جلسات المؤتمر وعند صياغة البيان الختامي"كلها بالكامل جاءت من قبل القوى النواتية الفاعلة،أو المتواطئة،أو الرهط المصفق والمتحمس لإعلان دمشق ونهجه ومفاهيمه،وهو يُطبَخُ فعليا على الأرض مع كامل عمليات القمع والعزل والاستبعاد للأطراف المختلفة مع ذلك الفريق. وكانت عبارة الأمين العام لحزب المكتب السياسي(السيد رياض الترك) والحزب يتحول سريعا خلال تلك الفترة إلى حزب غير شيوعي،إلى حزب ليبرالي،أو خلطة فكرية وسياسية،كانت عبارته للجنة نقطة علامّ في تحولات المواقف والوعي(احذفوا العبارة الواردة في بيانكم حول أمريكا،وسأكون لكم ولمؤتمركم خادماً مطيعاً؟!)(وكل ما أكتبه هو شهادات لأكثرية أعضاء لجنة العمل الوطني في دير الزور : الشيخ نواف البشير،الأستاذ طارق "العاني"،الرفيق عبد القهار السراي سعود،..وغيرهم "(3)سمعتها إذ قيلت لي ولغيري أثناء عمليات تشاور اللجنة مع المعارضات السورية وقيادييها.

انتهت مشاورات اللجنة لجمع طيف المعارضة،وكادت أن تخرج"أرواح أعضائها تارة من حلوقهم لكثرة الكلام مع قادة المعارضة،وتارة من أرجلهم لكثرة التنقل؟!فليحفظهم الله أينما كانوا في الجغرافيا والسياسة"وتحدّد يوم المؤتمر وجدول أعماله وورقته،كان يوماً للشجاعة الأمنية والسياسية والعمل العلني،ومحاولة فرض شرعية للعمل المعارض الداخلي المنسق على نهج وخط سياسي يأخذ بعين الاعتبار كامل الشروط السورية واحتمالات تطورها،وأخذت لجنة دير الزور،وخاصة الشيخ نواف قسطا مهما من تلك الشجاعة،عقد المؤتمر بصورة علنية في بيته وقريته(الحميدية)وحضره عدة مئات (أكثر من ثلاثمئة وسبعين)من الأشخاص لكامل طيف المعارضة السورية،قوى يسارية شيوعية،وقوى قومية مختلفة،عربية وكردية وآثورية،فعاليات وشخصيات دينية،أشخاص مستقلون،وكان أكثر المواقف لفتا للنظر هو قرار التجمع الوطني الديموقراطي بمقاطعة المؤتمر،وحق كل طرف فيه بالحضور على مسؤوليته الذاتية. والمضحك بالأمر أن حزب الشعب(فحزب المكتب السياسي كان قد تغير بفكره ومفاهيمه السياسية واسمه بصورة رسمية،كذلك حَلّ رسميا إنما شكليا السيد عبدالله هوشة محل السيد رياض،كل ذلك قبل أيام قليلة جدا من عقد مؤتمر دير الزور) ، حزب الشعب – المكتب كان أكثر الأحزاب تحريضا وسلبية وتشددا من أجل صدور قرار المقاطعة. ومع ذلك فالسيد رياض تحديدا تجاوز القرار وتجاوز الأمين العام الجديد السيد هوشة،وأرسل عددا من رفاق حزبه الأكثر تطرفا و"موتورية"لتخريب وتدمير جهود لجنة الدير والمؤتمر بالكامل،وتجاوزت معهم بقية أطراف التجمع قرار المقاطعة من أجل نفس الأهداف،والطرف الوحيد الذي التزم بالقرار شكلا هو الاتحاد الاشتراكي،وقدم أسبابا تتعلق بالمطلق باتهامات لحزب العمل الشيوعي،ولصاحب هذا المقال(فاتح) أن المؤتمر بالكامل قام بجهودهم وترتيبهم ونهجهم ومفاهيمهم. ومن المؤسف القول الآن أن الاتحاد الاشتراكي كان له رفيقان في اللجنة وواحد لحزب العمل،وأن اللجنة أخرت أعمالها كثيرا جدا من أجل أخذ موافقات التجمع وخاصة الاتحاد الاشتراكي حتى الثواني الأخيرة تماما،وأن الاتحاد بمفاهيمه السياسية كان متطابقا مع محتوى ورقة لجنة دير الزور. مع ذلك التزم بقرار حلفائه في التجمع،لكنهم خدعوه بحضورهم،وركبوا على دعاوته وتحريضه المضاد،وأربكوا موقفه بالكامل حتى أنه لم يتواجد بأي شكل في المؤتمر ليدافع عن خطه وقناعاته؟!كان وبقي مثل هذا السلوك والمواقف من جهة الاتحاد الاشتراكي غير المحسومة والمربكة،إنما المصرة على قيادة الأطر التي يتواجد فيها ولو شكليا؟!أمّا حزب العمل الشيوعي المتهم وكاتب هذا المقال ورفيقنا في لجنة الدير عبد القهار فإنهم لم يفعلوا شيئا سوى تشجيع لجنة الدير على استقلالية موقفها التنظيمي والسياسي،وتشجيعها على التشاور الديموقراطي العلني مع كامل طيف المعارضة،وتشجيعها على موقف واضح وصريح ضد الديكتاتورية والنظام الديكتاتوري،كذلك على نهج تغييره بصورة سلمية،وعلى موقف صريح وواضح ضد مفهوم التدخل الخارجي وخاصة الأمريكي والعسكري منه في عملية التغيير الديموقراطي في سوريا،وتشجيعها أخيرا بإلحاح على حضور كل الأطراف إن أرادت على الرغم من اختلاف بعضها مع محتوى خط الورقة واللجنة،وهذا ما حصل وكاد أن يؤدي لتدمير أهداف اللجنة من دعوتها لعقد المؤتمر،فالعديد من الأطراف حضرت مع معرفتها بمحتوى وتوجه ورقة اللجنة والمؤتمر،حضر لتغيير ذلك جذريا أو لتخريب الأمر وتشويهه،اتضحت الخلافات في المواقف وكانت صريحة على مركب الديموقراطي –الوطني،ولأول مرة بهذه الصراحة والمستوى من الخلاف والتناقض والصراع السياسي والمفاهيمي داخل صفوف طيف المعارضة على الموقف من قضية التدخل الخارجي وأشكاله بما فيها العسكرية ودوره في إمكانية إجراء التغيير الديموقراطي في سوريا،وكذلك الموقف من الإدارة الأمريكية،واستراتيجية تدخلاتها في المنطقة وخططها المحتملة تجاه الساحة السورية بعد العراقية. ظهر ذلك في الكلمات الافتتاحية،وظهر بشكل خاص عند مناقشة ورقة عمل المؤتمر،وأخيرا في أعمال لجنة الصياغة التي حاول فيها العديد من أشخاص النخب السورية تحويل كامل فكرة المؤتمر إلى نقيضها،وعلى رأسهم مندوب حزب الشعب –المكتب،والسيد منذر خدام مع أنه كان مندوب لجنة العمل الوطني في اللاذقية المتوافقة مع مفاهيم لجنة الدير،ومع ذلك ساعد بكل قواه ودعم موقف حزب الشعب،كما فعل السيد حازم نهار،وبعض مندوبي القوى الوطنية الكردية،والحزب القومي الآثوري،دارت حوارات مخيفة حقا حول الدور الأمريكي والتدخل الخارجي،حتى وصل الأمر حدود الاستعداد على ورقة لجنة الصياغة بشرط خلوها من أي شيء يتعلق بهذه القضية سلبا أو إيجابا،أي القبول بالورقة بدون أي إشارة لأمريكا والتدخل الخارجي،التركيز فقط على الجانب الديموقراطي والنظام،والباقي"بديهي عند شعبنا،يعرفه ولا داعي لذكره،وذكره سيعمل على قسم المعارضة وشعبنا .الخ؟!"ومن سيدقق لاحقا ويقارن بين البيان التأسيسي لإعلان دمشق،والبيان الختامي لمؤتمر دير الزور سيعرف ماذا جرى في أوساط المعارضة السورية ولماذا؟فالمؤتمر تابع أهدافه وصدر بيانه الختامي المشابه جدا لورقة عمله الأساسية،وسمع حزب العمل الشيوعي،وفاتح جاموس أكثر الاتهامات سوءا وبشاعة وكذبا حول التآمر على الحركة الوطنية السورية المعارضة وتخريب صفوفها،وحول التآمر والكواليسية في المؤتمر،وحول الوقوف إلى جانب النظام موضوعيا وذاتيا،بسبب الإصرار على الموقف من الإدارة الأمريكية ..الخ(أكاد أجزم أن ساعات عمل ذلك المؤتمر وخاصة داخل لجنة الصياغة،وما سمعته من تشكيك واتهامات وتحولات وعي ولعب مكشوف من مجموعة النخبة تلك ذات الوعي"الخارجي"،قد ساهمت في خلق ضغوط وتوترات لتضييق أوعيتي الدموية،خاصة الثباتي الصاعد إلى الدماغ،وإضطراري لاحقا لإجراء خمسة عمليات توسيع وشبكات،ساهمت بنسبة أكثر من عشرة بالمئة مقارنة بما ساهمت فترة الاعتقال الأولى التي تجاوزت الثمانية عشر عاما على يد النظام وأجهزته!). (وبعد مرور أكثر من عام على كل هذا تكرر\تشرين الأول\2006\ الأمر بوضوح وصراحة وانكشاف أعلى داخل صفوف إعلان دمشق فيما يتعلق بالموقف من الإدارة الأمريكية وقضية التدخل الخارجي واستراتيجية التغيير الديموقراطي برمتها وما يتعلق بها،كما سنرى)،وسنلاحظ بوضوح أنه وعلى الرغم من موقف الاتحاد الاشتراكي الذي بقي متأرجحاً وغير حاسم على طول الخط،فإن مؤتمر دير الزور شكل منطلق التفكير للعديد من الفعاليات في  محاولات تشكيل الخط الوطني الديموقراطي(الثالث).

في الزمن الفاصل بين عقد مؤتمر دير الزور،وإطلاق إعلان دمشق  ببيان تأسيسي ومؤتمر صحفي،جرت عملية نقيضة تماما لعملية مؤتمر ديرالزور،عملية اتصالات وحوارات سرية،انحصرت بمجموعة القوى والفعاليات ذات الموقف الموحد أو المتقارب فيما يخص العامل الخارجي وعلاقته باستراتيجية التغيير الديموقراطي في سوريا،مع عزل واستبعاد صريح لأي قوة أو شخص يرفض فكرة التدخل،وله موقف من الخطط الأمريكية في المنطقة،بنص بيان أخذ بعين الاعتبار ضرورة توافقات أخرى ارتبطت بمسألة الكيانات،ودور الأكثرية المذهبية. وكان أول المعزولين حزب العمل الشيوعي،ومن باب النكتة عندما سألنا لاحقا عن الأسباب قيل أن السرية كانت ضرورية وحزب العمل لا يحتفظ بالأسرار؟!وقيل أن حزب العمل متعِب سيُدخل الأمور في نقاشات مبدئية وسياسية غير تجميعية خصوصا فيما يتعلق بالعامل الخارجي،وقيل أن مسودة البيان لم تعرض إلا على عدد محدود جدا؟!حتى أنها عرضت فقط على السيد حسن عبد العظيم في اللحظات الأخيرة ووقع عليها دون أي مشاورات حزبية،ولم يدقق في محتواها بخصوص ما ورد فيها من أفكار ومفاهيم سياسية تتناقض مع الاتحاد،وأن رفاقه سامحوه(!!)على ذلك حرصا مثله على وحدة المعارضة وجمعها في إطار واحد(كأنهم نسوا فورا أن هناك مستبعدين من المعارضة؟!)، وكذلك أمر الانتساب للإعلان مفتوح بعد البيان والمؤتمر لمن يريد فتسقط بذلك عملية العزل والاستبعاد. وكان واضحا أن هناك من تفاعل جيدا جدا مع الإشاعات الخارجية المتعلقة بإمكانية سقوط النظام السوري قريبا والمطلوب إعداد"قنبلة" سريعة ومعدة على قياس توافقي بين الأطراف الخارجية العاملة على الاهتمام به وإسقاطه،والأطراف الداخلية المقتنعة بذلك والجاهزة للعمل على استكمال بقية الحلقات الضرورية في هذه الاستراتيجية وبالتالي فرض التغيير الديموقراطي في سوريا.

كان حزبنا(حزب العمل الشيوعي)في حينه بأحسن حالاته التنظيمية والسياسية،وأعتقد جازما أنها كانت أفضل فترة وأكثرها خصوبة ووعيا وتقسيم عمل قيادي،وأخيرا أدعي أنها فترة تميزت بالتيقظ الشديد والتمسك بضرورة نهجنا النقدي،انتبهنا أن هناك عملية خطرة تتجسد على الأرض باسم المعارضة،خطرة بمحتواها السياسي،خطرة بنهجها القمعي والاستبعادي،خاصة وأنها تقصدت عملية عزل الحزب تحديدا،وخطرة لأنها مشتبكة بصورة أو بأخرى مع العامل الخارجي التدخلي،بالترافق مع مفاهيم أخرى تلعب على أكثر العصبيات تخلفا،وكله غير مكشوف بوضوح لكتلة واسعة من النخب السورية،وخاصة أنه غير مكشوف للجمهور الشعبي،بل يقدم نفسه تحت صيغ مثل جمع المعارضة وتوسيع صفوفها،تجاوز الأشكال والأطر والأحزاب التقليدية القديمة،والتركيز على المستقلين وضرورة جمع طاقاتهم،وضرورة الانتباه لأهمية العامل الخارجي الذي تستحيل عملية تجاوزه في هذا العصر..الخ ، مع الانتباه إلى خطورة موقف الاتحاد الاشتراكي بموافقته على محتوى البيان،وموافقته على استبعاد حزبنا.وكان المطلوب في هذه الحالة العمل النشط والنقدي الصريح على كامل تلك الخطوط ،كسر العزلة بالانتساب،وبيان نقدي شامل وواضح يتعلق بملاحظاتنا على عملية التشكيل والمحتوى،وضرورة التواجد الداخلي لفتح معركة صريحة بكل ذلك بالتعاون مع القوى المحتملة بعد إيقاظ وعيها خاصة عندما اكتشفنا التأثير الشديد للعمليات الكواليسية والترغيبية على اللجنة القيادية التي نجمت عن مؤتمر دير الزور،فقبل بعضهم بكل المنطق الذي جرى به إطلاق إعلان دمشق،وقبل بمواقع قيادية في اللحظات الأخيرة قبل المؤتمر الصحفي،وكان الدافع الرئيسي هو العمل على تطوير إعلان دمشق بتخليصه من تلك السلبيات والتوجهات.اشتغلنا بسرعة على الجمع بين الانتساب للإعلان والعمل المشترك مع بعض القوى التي تشاركنا الرأي النقدي أو بعض جوانبه،وأصدرنا بيانا مطولا بكل ذلك(سأحاول نبشه ونشره لأهميته كما أعتقد).

وكما توقعنا فقد دارت معركة سياسية وتنظيمية ومفاهيمية كبيرة وصعبة داخل صفوف الإعلان من اللحظة الأولى لتقديمنا طلب انتساب إليه،حول قبولنا،وكذلك تمثيلنا في الهيئات القيادية المؤقتة(التشريعية والتنفيذية)،وبعد فترة قصيرة من وجودنا في الهيئة القيادية تقدمنا بمشروع ورقة جديدة غايتها تصويب المفاهيم الخاطئة والخطرة التي وردت في البيان التأسيسي ،وكتب المشروع مندوب حزب العمل(ولا تزال الورقة موجودة بخط اليد) لا كما قال في بعض الأحيان مندوب الاتحاد الاشتراكي.لكن الأمر تحول إلى جهد مشترك بعد فترة بشكل خاص عبر الجهود التي بذلها في حينه السيد رجاء الناصر والقياديون الآخرون في الاتحاد الاشتراكي ذوي القناعات المشابهة،والذين أصروا على تجاوز أخطاء الأمين العام في توقيعه السريع وغير المدقق على البيان التأسيسي وفي اللحظات الأخيرة من المساومات،وكذلك تصويب موقفهم من التدخل الخارجي والإدارة الأمريكية ومخططاتها،والتوشيح المذهبي الخطر في البيان ومفهوم التكوينات الذي رسمه ومرره الاحتلال الأمريكي لبغداد الذي وصل إلى البيان أيضا،جلسات متكررة وطويلة ومعارك فعلية بعدها تمكنا سوية من فرض ما سمي( ببيان التوضيحات)(4) مع وضعية توازن لم تسمح بتصويب نفس المفاهيم على البيان التأسيسي فبقي كما هو،واعتبر بيان التوضيحات وثيقة ثانية ليصار لاحقا إلى التملص والتثبيت والتفسيرات المختلفة والمتناقضة بحسب كل طرف ومواقفه،وتستمر المعارك حول مجمل هذه القضايا (حتى الآن فعلياً إن شئتم).وانتقلت الأجواء والتناقضات من داخل التجمع الوطني إلى الإعلان باتساع أكبر ووضوح أشد،ماسمي بالتيار الليبرالي الخارجي يوافق نظريا على شيء ويعمل بعكسه،وصل الأمر حدود التنصل التام من وثيقة التوضيحات،وحدود قبول فعاليات وأعداد كبيرة مما سمي بالمستقلين،وكله على أسس نقيضة لوثيقة التوضيحات التي وضعت بالاتفاق،وذلك استعدادا ًلعقد المجلس الوطني(بمثابة مؤتمر عام للإعلان)وفرض توازن تنظيمي قادر على فرض هيئات بمنحى محدد،وصل الأمر حدود"الجنون"السياسي والتنظيمي والشخصي بينما نعد مشاريع الوثائق الخاصة بالمؤتمر الذي يفترض أن يعقد مع نهاية عام\2005\في الهيئة القيادية وأثناء الحوارات على الوثائق اتضح أن هناك كتلة كبيرة في إعلان دمشق تريد بصراحة رفض وتضييع فرصة هامة في وحدة المعارضة السورية بعد الاتفاق على بيان التوضيحات وإجراء التصويب المناسب لذلك،كانت المعارضة بذلك متفقة أن المهمة المركزية هي التغيير الديموقراطي السلمي الآمن،ورفض العنف الداخلي،وذلك بتغيير النظام بصورة سلمية،بتغيير نهجه وبنيته ووسائل إدارته للوطن وإلغاء أي احتكار للسلطة،وقيام نظام ديموقراطي معاصر بديل،كما كانت على العموم قد عادت ووافقت على الموقف من العامل الخارجي وخطورة التدخلات مهما كانت خاصة العسكرية منها،يبدو أن تلك الكتلة كانت على درجة عميقة من القناعة والوعي أن طريق التغيير الداخلي السلمي مغلق،وأن استراتيجية إسقاط النظام عبر دور مركزي وحاسم للخارج هو الشيء الصحيح،مهما تطلب الأمر من ضرورة استكمال بقية الحلقات بما فيها العنف . وفي واحدة من الجلسات النادرة ذات الدلالات الخطرة جدا من حينه،وبدت خطورتها صفيقة بعد ذلك على طول الخط والأحداث الدراماتيكية السورية تتابع تطوراتها حتى هذه اللحظة،لتكشف المواقف الحقيقية للمعارضات والمعارضين السوريين بدءاً من الداخل،والذي نجد متابعاته الآن في الداخل والخارج خاصة(من استانبول إلى الدوحة هذه الثواني إلى هيئة التنسيق في سياقات تطوراتها إلى بقية طيف المعارضة كما سنرى).هل تصدقوا أننا في تلك الجلسة مثلا قد أمسكني بقبة القميص حول رقبتي السيد الديموقراطي رياض سيف وفي بيته(5) مدافعاً عن الإدارة الأمريكية لأنه لا يسمح لي باتهامها سياسيا بأنها ضد مصالح الشعب السوري وقضاياه العادلة على طول الخط،ثم ليفصل بيننا الحضور؟هل تصدقوا أن الصديق سمير نشار- وكنا سوية كرفاق في مكتب طلاب الاشتراكيين العرب في جامعة حلب بدءا من عام\1966\لعدة سنوات – هل تصدقوا أنه قال:لا أستطيع أن أتصور نفسي على طاولة حوار وتحالف مع أي طرف يعتقد أن الإدارة الأمريكية معادية للشعب السوري؟ هل تتصوروا مثلا أن السيد رياض الترك كان أكثر الأطراف والأشخاص اعتدالاً تجاه الإدارة الأمريكية ومع ذلك قال:لقد تأخرنا كثيراً في

ضرورة إقامة علاقة سياسية مع الإدارة الأمريكية‘فهي لديها توجهات ومواقف جديدة إيجابية مختلفة عن الماضي تجاه الشعب السوري والمعارضة السورية،وبشكل خاص بعد الدروس المستفادة في العراق؟! ولن أكتب شيئا عن موقف السيدة فداء الحوراني احتراما لمدينة حماه وتاريخها وتاريخ السيد أكرم الحوراني ووعيه وحساسيته الهائلة في الموقف الكفاحي الصائب تجاه الإدارات الأمريكية!ولن أكتب أية إضافات عن مواقف الأصدقاء المندوبين الأكراد،أو السيد نواف البشير أو علي العبدالله أو مواقف الجميع تقريبا(أكثر من ثلاثين شخصا) بينما أوصلونا إلى لحظات جنون نحن الأربعة أنا وعبد القهار من حزب العمل السيدان حسن عبد العظيم وعبد المجيد منجوني من الاتحاد الاشتراكي،ورسمت تلك الجلسة بقية التطورات في مشاريع الوثائق وفي الانتخابات التآمرية والكواليسية في المجلس الوطني للإعلان بعد زمن قصير،مما أدى إلى تجميد الاتحاد لعضويته في صفوف الإعلان ، وكذلك حزب العمل الشيوعي،ومحاولات متواصلة من الأخير لإقناع عدد من الأطراف بالانسحاب الكامل والعمل على تشكيل إطار جديد للمعارضة بعد ذلك الوضوح في المواقف والخلافات،ففشل فشلا ذريعا،لأنه من جهة لم يكن حازما في موقفه النقدي العلني فاكتفى بالرسالة التي لم تنشر،كما أنه قصر انتقاداته ولم يتناول الاتحاد الاشتراكي بأي منها بحجة ضرورة التحالف فالحزب في تلك اللحظات ولأول مرة في حياته السياسية موجود في إطارين،التجمع الوطني وإعلان دمشق،وأخيراً بسبب تفكك المواقف والصف الداخلي في الحزب وقيادته وإصرار بعض الرفاق على استمرار مواقفهم ووجودهم داخل إعلان دمشق دون الاستجابة لقرار الحزب بالتجميد أو رفضهم تنفيذه.ومع ذلك قامت القيادة المتنفذة في إعلان دمشق(السيد رياض الترك وصفه) بعد الاعتقالات التي قامت بها السلطة في صفوفه،قامت بكل المؤامرات الصغيرة لعزلهم ومنعهم من ممارسة قناعاتهم،يبدو الموقف عميقاً تجاه تركيبة قيادات العمل الوطني؟!

أما التيار الثالث أو الوطني الديموقراطي فقد غدا فكرة ومشروع عمل حقيقي بعد اعتقاد صاحب هذا المقال وآخرين أن إعلان دمشق قد تفسخ، وقوى المعارضة السورية غدت على درجة عالية جدا من الخلافات والتناقضات،وأن مستوى الاختراق في الوعي والممارسة المتعلقة بجدل الديموقراطي – الوطني داخل صفوفها قد وصل حدودا صعبة جدا إن لم تكن مستحيلة على إعادة رتقها من جديد بأي مستوى،فوجهنا دعوة إلى لقاء واسع للقوى والفعاليات والأشخاص اللذين حافظوا على مفاهيم وقناعات وممارسات ونهج متميز بأنه فعليا معارض للنظام ويريد تغييره باستراتيجية عمل سلمي آمنة تعني رفضا للعنف الداخلي ورفضا لاستخدامه ضد النظام أو دفاعا عن النفس لمعرفتهم أن النظام الديكتاتوري القائم سيمارس العنف عند الضرورة من منظوراته،كذلك هم معارضون ورافضون جديا للتدخلات الخارجية وعلى استعداد لمواجهتها إن حصلت فعليا،(على الأقل هكذا كان خطابهم وتصريحاتهم ومواقفهم المعلنة حتى حينه).وفي بيت صاحب هذا المقال جرى اللقاء التأسيسي الحواري الأول،كانت حوارات علنية وديموقراطية بصورة متجاوزة بشدة لمشاريع المعارضة السابقة،وعلى مدى ثلاث سنوات تقريبا أعدت خلالها مجموع الوثائق المطلوبة،وانضمت فعاليات أخرى للحوار،كانت تجري عمليات تشجيع وأخرى إحباطية أخرّت عملية إطلاق هذا الإطار المعارض بعد ذلك الزمن الطويل من الإعدادات،وأعتقد أن الأسباب ترتبط فعليا بعدم جدية مواقف الأطراف الأساسية،واستمرار ارتباط وعيها بمقولات من مثل:وحدة المعارضة،التنسيق بين صفوف المعارضة،أي استمرار ارتباطها بالأطر القديمة وما تمثله لوعيها ومصالحها(التجمع الوطني وإعلان دمشق)والتنافس مع غيرها على قيادة تلك الأطر،وأعني هنا بشكل خاص الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الشيوعي خاصة بعد تشكيل إطار تجمع اليسار الماركسي،إذ تراجعت أكثر روح حزبنا ونشاطه النقدي تجاه القضايا الرئيسية للعمل السياسي الوطني وقواه،فوجدنا أنفسنا أكثر فأكثر بحالة انتظار طويل ثم لحاق بالاتحاد الاشتراكي مع غياب كامل لتميزنا وتميز مواقفنا نقديا،صدقنا اعتبارات الاتحاد بأنه لا يستطيع تجاوز قرارات لجنته المركزية والموافقة على قيام إطارات معارضة جديدة بينما هو موجود في إطارات قديمة(بالطبع فعل ذلك مع إعلان دمشق وبتلك الطريقة المعروفة؟!) طال وقت الحوارات والاتحاد حريص أو مجبر بسبب توازن المواقف الداخلية في صفوفه على استمرار مجاراة إعلان دمشق والتعويل عليه،وانتزاع موقع القيادة من السيد رياض الترك،وحزب العمل تأخر جدا بموقفه الحاسم بترك الإعلان معولا على موقف الاتحاد وانتظاره،كذلك عدد من القوى الكردية،وكل ذلك اضطرب وتأخر جدا،بينما الوثائق المتعلقة بالتيار الوطني الديموقراطي،أو(الثالث)جاهزة،معبرة بوضوح ونضج شديدين عن نهج وطريق واستراتيجية التغيير السلمي،بموقف صريح تجاه قضية التدخل الخارجي،وشرح دقيق بدوره لكامل الشروط السورية التي تدفع لذلك،حتى انطلق الربيع العربي،والأحداث الدراماتيكية والحراك الشعبي السوري،وتعود النخب المعارضة لتفاعلات وتطورات ذات صلة عميقة بكل التاريخ الذي تناولناه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1)- سنجد أن لهذه الاتهامات والقناعات أساسا واضحا عند تشكيل هيئة التنسيق ومؤسساتها،والاشتراطات التي فرضها الاتحاد.

(2)- أبدو كأنني أحرض وأشجع البعض،خاصة من النخب السورية المتفذلكة على القول أن هذه  "سوالف"قديمة أكلتها الأحداث"الثورية والجديدة"،أؤكد أنها التاريخ القريب جداً لنخب المعارضات،الذي يكشف مواقفها وتاريخها الراهن،كما يوضح مسؤوليتها فيما حصل،ويحصل،وسيحصل لاحقا؟!

(3) كثيرون جدا لا يعرفوا أهمية مؤتمر دير الزور وتطورات مواقف لجنة العمل الوطني فيها،كان نقطة مواجهات حادة كما نقطة تحول في مواقف أطراف المعارضة السورية،لذلك أعطي هذا المؤتمر وتحولات مواقف أشخاص لجنته أهمية خاصة،بالطبع جرت تحولات عميقة وتناقضية في أحيانا كثيرة على مواقف ووعي هؤلاء الأصدقاء وغيرهم من لجنة دير الزور،بل والعديد جدا من نخب هذه المدينة كنماذج من نخب المعارضات السورية،في كل مدن الوطن السوري،قبل وبعد الأحداث الدراماتيكية الأخيرة في سوريا،كما قبل وبعد إعلان دمشق،الذي أنا بصدد الكتابة عنه هنا،وإن كان من البداهة بمكان أن تغير النخب مواقفها،على أرضية الحق الشخصي والديموقراطي والعقلي،لكنه ليس بداهة أنها كانت تحولات وعي في حقل العقلانية،وحقل المقاربة الصحيحة للوقائع،بل حصلت هنا مفاجآت من الاضطراب والانتقالات السريعة والقفز في الفراغ(بدون دعائم"توازن"مناسبة)والإبقاء على حسابات رجل هنا ورجل هناك،أي عدم المضي بالموقف إلى النهاية غير الانتهازية،البعض انتقل من عتبة الانصهار في مقولات مؤتمر دير الزور واستراتيجية التغيير السلمي التدريجي الآمن،وبعد أيام ربما إلى أحضان إعلان دمشق،والبعض من الشتم والتشكيك بكل من انضم إلى إعلان دمشق،وبالتغاضي عن دوافعه،إلى أحضان أمريكا والتدخل الخارجي العسكري من حيثما جاء،والبعض من العلاقة العضوية نفسيا وسياسيا وفكريا مع خط قدري جميل ومشابهاته- مثلا القومي السوري-،إلى تكفيره ورميه بكل الاتهامات إلى نفي أي إمكانية لوجود معارضة إلا إذا كانت مقتنعة أن الأمر أمر ثورة،والمطلوب إسقاط النظام مع توفير كل الحلقات،حتى ولو كانت شيطانية من أجل ذلك،والبعض دخل المعتقل بسبب انضمامه لإعلان دمشق،ثم راجع نفسه ومارس النقد الذي اعتقده مناسبا،ومن بيته،وعاقبه إعلان دمشق على ذلك،وعاد لاحقا إلى مقولات مجلس استانبول والإعلان والخطاب المقذع لهما لقبوله،ثم ليقبل في صفوف"الجبناء"على حد قول قادة الإعلان الشجعان(وحصل هذا على الأقل مع السيد الشيخ نواف،ومع السيد رياض سيف،أما البعض فقد اعتقد أن الموقف الصائب من منظور مجمل الحسابات،خاصة حسابات الأمان وانتهاز الموقف"التاريخي"أي الاصطفاف لجانب من يجري الاعتقاد أن المستقبل يبتسم له،هو الوقوف في صف،أو رهط طويل،قوي جدا،بل هائل بقوته وتأثيره في التاريخ العربي "الثوري" المعاصر(من حمد بن حمد .. والسعوديين الراديكاليين ثوريا"الأوغاد"على حد قولك يا دكتور فهد في باريس – واسمح لي بهذه الاستعارة- إلى كل المراكز الحليفة للكيان الصهيوني وما يعنيه في الحق الأخلاقي والإنساني والتصالح (المباشر وغير المباشرمعه)الذي قام به عدد هائل من النخب السورية وكذلك من هذه المدينة الرائعة بالطبع.ثم إلى تركيا وما تعنيه تركيا نظاما ونخبا قائدة وتاريخا...وصولا إلى الصف التكفيري الإسلامي المتعصب،الثأري والخانق بكل المعايير،الذي يقود،أو يجر بتعصبه ورعونته القسم الحاسم في صف"الثورة"،والبعض من ذوي القناعة العميقة والأخلاقية بأن الأمر أمر ثورة،إلى المراجعة من جديد،المراجعة الهادئة والذاتية(غير الضاجة،أو منخفضة الصوت وداخل جدران البيت الآمن،وعبارات الشتم على الثوريين وثورتهم،فكله يشتم في سوريا والعقوبة الثأرية جاهزة من كل المصادر المشتومة العنيفة القوية وصاحبة السيطرات كبيرها وصغيرها؟!)لكنها المصحوبة أولاً بالبحث عن الأمان الشخصي"؟!والسؤال هل طبيعة النظام القمعي والديكتاتوري،وذي السمة الطائفية،وتعاطيه التاريخي الأمني مع الأزمات،ومع الأحداث الأخيرة يبرر تلك التحولات في النخب السورية؟!هل يسمح هذا أو يفترض أي درجة من الثقة بمواقف أمثال هؤلاء وتحليلاتهم؟!وهل يمثل هذا أي تجاوز أخلاقي وفكري وسياسي للنظام ونخبه؟! فلننتبه !!إن نخب النظام أكثر تماسكا حتى الآن على الرغم من كل ما جرى!؟                     

 (4)-- وفي هذه الفترة كانت هناك معركة أخرى صغيرة وهامشية،يعمل عليها قطاع آخر من المعارضات السورية من خلال مجموعة فعاليات وأشخاص ببنية لاتسمح لهم إلا بالمعارك الهامشية،وهذا قانون عام في مجموع معارضات الأرض،هؤلاء كانت معركتهم مع حزب العمل الشيوعي بوجه خاص بسبب انضمامه إلى إعلان دمشق ودوافعه إلى ذلك،واتهامه بالخيانة الوطنية،والنفاق فهو بحقيقة موقفه مع التدخل الخارجي طالما انضم إلى الإعلان واستمرت هذه الاتهامات والتخطيء والتشكيك والتخوين حتى بعد صدور البيان التوضيحي والمعارك التي جرت من أجله داخل الإعلان،وأذكر من هذه المواقف والأشخاص(قياديين عدة داخل ما سمي بالتيار الديموقراطي الاجتماعي،وأذكر موقف السيد كاسر صالح إذ ذبحنا الرجل وقضى علينا باتهاماته وأذكر السيد:محمد سيد رصاص،وأذكر موقف لجنة العمل الوطني في اللاذقية—أذكر هذه المواقف والأشخاص بصورة خاصة لأن بعضهم انتقل سريعا وكلياً ليقفز في الفراغ بعد الحراك الشعبي في سوريا وليتهمنا بالعكس تماما،أي أننا ضد الثورة،وليندم لأنه تأخر كثيرا،ضاع وأخطأ بموقفه فيما يتعلق بصف الثورة ومركز الثورة العالمي، المركز الحاسم للثورات في العالم بما فيه العربي(الإدارة الأمريكية القطرية السعودية والإسلام الشعبي والتكفيري؟!!)

 (*)- أشهد أنني أقدم شهادات صادقة بالمطلق عن هؤلاء الأصدقاء من جلسات وحوارات عديدة،إنما بشكل خاص عن هذه الجلسة المجنونة كما أسميتها،( للأسف تبدو شهادة للإدارة الأمريكية؟!لا تزعل هي تعرف هذا؟! )بحيث توقفت أنا والرفيق عبد القهار سراي سعود عن متابعة الجلسة وطلبنا إذنا لتقديم رسالة تصيغ موقفنا من كل ذلك،كتبنا الرسالة وطلبنا نقاشها،مع ذلك  

جن جنون تلك الكتلة،واعتبرت أننا نكيل لها الاتهامات،وسأعيد نشر الرسالة لأهميتها في عرض مواقف وأجواء وخلافات المعارضة السورية،والمساعدة على فهم ما يجري الآن خاصة في الدوحة ؟!   

ــــــــــــــــــــــ

(*) ـ يمكن الضغط هنا لتصفح الجزئين الأولين من هذه المقالة.                                                                               

تتمة المواد في قضايا وآراء

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
"معركة الوجود" بين حسن نصرالله والفاتح الجولاني 6586 الإثنين 30 - 12 - 2013 - 00:03
نهاية «النموذج التركي»! 5402 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
تحالف أوغاد "الأخوان" و"الوهابيين" 5372 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
"البوبو" 4804 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 20:58
سوريا بانتظار ما يسفر عنه الميدان.. لا «جنيف 2» 4618 الثلاثاء 24 - 12 - 2013 - 02:35
«ربيع إيران».. من كل الجهات 4035 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:45
فيروز ـــــ زياد واليسار والذئاب الرمادية 4302 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:19
تَفَكُك «الجيش الحر» أم إطاحة .. الائتلاف؟ 4178 السبت 21 - 12 - 2013 - 23:30
ما إلنا غيرك يا الله!! 3678 السبت 21 - 12 - 2013 - 06:42
مسيحيو "داعش" وأخواتها 3207 السبت 21 - 12 - 2013 - 03:53
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2014 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login