الأربعاء 30 تموز 2014

"مشروع الدولة العلوية" المزعوم

د. عبد الله حنا

مشروع الدولة العلوية لم يكن راسخا في اذهان اكثرية العلويين ولم تكن مقومات وجوده متوافرة بدليل الاندماج السياسي والاقتصادي والاجتماعي السريع والعميق لبلاد العلويين في الجسم السوري الناشئ.

تحت عنوان "مشروع الدولة العلوية" نشرت "النهار" بتاريخ 23 تشرين الاول 2011 وثيقة مرسلة إلى وزارة الخارجية الفرنسية بتاريخ 15 حزيران 1936 وموقعة من ستة من زعماء العلويين يطالبون الحكومة الفرنسية بعدم ضم بلاد العلويين إلى الوحدة السورية في المعاهدة المزمع عقدها مع وفد الكتلة الوطنية المفاوض في باريس. وقد جاء في خاتمة ديباجة ناشر الوثيقة انطون صعب: " إن ما يطرحه هذا المستند التاريخي" هو "ان مشروع إقامة الدولة العلوية يعود إلى عشرات السنين...". واللافت للنظر ان الناشر لم يذكر في ديباجته من الموقعين على الوثيقة إلا سلمان الأسد (جد الرئيس الحالي بشار الاسد) مهملا الأسماء الأخرى وهنا بيت القصيد.    

■ ■ ■

نشير في البداية إلى النقاط الآتية:
نشرت جريدة "الاهرام" القاهرية هذه الوثيقة في اواخر ثمانينات القرن العشرين ونشرها اليوم ليس جديدا. وكان الرئيس الأسبق لاتحاد نقابات العمال في سوريا خالد الجندي قد اطلعني عليها في برلين قبل نشرها بأشهر عدة في "الأهرام". وابديت في ذلك الحين تساؤلا حول وضع سلمان الأسد في جملة الموقعين وهو ليس في منزلة الآخرين في الوجاهة وهم: عزيز آغا الهواش، محمود آغا جديد، محمد بك جنيد، سلمان اسد، سلمان المرشد، محمد سليمان الأحمد (بدوي اللجبل).
هذه الاسماء لا تمثل جميع العلويين بل قسما منهم، إذ ان القسم الآخر كان مع الوحدة السورية. وقد عقد هؤلاء في حزيران 1936 مؤتمرا  لهم نادى بالوحدة السورية. وقامت جريدة "القبس" الدمشقية بنشر مقررات مؤتمر القرداحة. وهذا يعني ان العلويين لم يكونوا جميعا ضد الاندماج في الوحدة السورية.
لم يكن الموقعون على عداء شديد مع الوحدة السورية المطروحة على بساط البحث في صيف 1936. فعزيز الهواش زعيم عشيرة المتاورة تعاون بعد اشهر عدة مع حكومة الكتلة الوطنية في دمشق وسلمان اسد كان في عداد الوفد العلوي مستقبلا في حلب وفد الكتلة الوطنية المفاوض في باريس (واسماء الوفد العلوي المشارك في استقبال الوفد منشورة في جريدة "القبس" الكتلوية). وبدوي الجبل المعروف بمواقفه المتنوعة جاب شعره اليعربي معظم اصقاع العالم العربي وله في تمجيد عاصمة الأمويين دمشق قصائد عديدة وصلاته بالحزب الوطني وانتخابه اكثر من مرة في مجلس النواب السوري أمر معروف. وسلمان مرشد ترشح بعد قليل في خريف 1936 لانتخابات مجلس النواب ونجح في الانتخابات وشارك في جميع جلسات البرلمان بدمشق بدليل موافقته على الوحدة السورية.
من هنا يتبين ان مشروع الدولة العلوية  لم يكن راسخا في أذهان أكثرية العلويين ولم تكن مقومات وجوده متوافرة بدليل الاندماج السياسي والاقتصادي والاجتماعي  السريع والعميق لبلاد العلويين في الجسم السوري الناشئ.
نظر الموقعون على الوثيقة المنوه عنها إلى الوحدة مع سوريا بأنها استمرار للدولة العثمانية، التي لاقى منها العلويون ألوانا من القهر والاضطهاد يفوق ما لاقته المناطق الأخرى. ولم يدرك هؤلاء ان الكتلة الوطنية قائدة النضال الوطني المناهض للانتداب الفرنسي تتبنى مبادئ النهضة العربية وتنادي بالمساواة في المواطنة بين جميع الطوائف والمذاهب. وبالتالي فإن مخاوفهم لم تكن في محلها بسبب نقص المعلومات وانعزال المناطق بعضها عن بعض.
لم يكن لسكان الجبل العلوي أي صلة اقتصادية مع ولايتي الشام وحلب في العهد العثماني، وكان الداخل السوري بالنسبة لهم بلدا غريبا لا علاقة لهم به. ومعروف أن الجبل العلوي كان تابعا لولاية بيروت ويعيش في ظلّ اقتصاد طبيعي معزول ولم يرَ من الدولة العثمانية إلا سياط جباتها واضطهاد الأعيان الذين استولوا على الأراضي السهلية وحولوها إقطاعيات يعمل في قسم كبير منها الفلاحون العلويون إلى جانب فلاحي الطوائف الأخرى. وكان مما يحزّ في نفوس الفلاحين العلويين انهم لم يعاملوا معاملة الفلاحين المحاصصين الآخرين بل مُورِس عليهم اضطهاد يفوق اضعاف ما لاقاه الفلاحون الآخرون. وكان الآغا أو البك أو الأفندي يعاملون القرى العلوية التابعة لهم وكأنها بلاد مفتوحة مستباحة لهم. وهذه المعاملة التي لمسها كاتب هذه السطور أثناء دراساته الميدانية في الأرياف السورية خلقت في أعماق الفلاح العلوي الخوف وجعلته حذرا من الجميع دون تمييز بين اقطاعي مستثمر مضطهد وانسان عادي يرى ان "الخلق كلهم عيال الله". ومن هذه المواقف العثملية المضطهدةٍ للعلويين علينا أن ننظر إلى موقفهم أو موقف قسم منهم من عملية الاندماج في الوحدة السورية.

■ ■ ■

لا يتسع المجال هنا لتتبع إرهاصات النهضة أو التوقف عند المحطات النهضوية، التي طرقت أبواب المجتمع في الجبل العلوي، ببنيته الزراعية الرعوية وموروثه التاريخي التقليدي (الطائفي – العشائري) ونكتفي بتتبع مواقف العلويين من الوحدة السورية.
في أوائل صيف 1936 جرى انقسام عنيف بالرأي: فئة تطالب بالوحدة السورية، وأخرى تصر على بقاء الانفصال، وجرى مؤتمر في طرطوس لم يصل إلى نتيجة، لكن المجابهة بين الفريقين قويت، والهوة ازدادت اتساعاً وعمقاً.
التيار المنادي بانضمام الجبل العلوي إلى الوحدة السورية شكل وفداً مؤلفاً من العلويين والسنة والمسيحيين زار دمشق، واستقبل فيها استقبالاً حافلاً، ونشرت الصحف الوطنية أخبار تحركات هذا الوفد تحت العنوانين التاليين: "وفد زعماء البلاد العلوية في دمشق"  و"الكتلة الوطنية وزعماء البلاد يحتفلون بالوفد العلوي احتفالاً عظيماً".
وهذا التيار عقد مؤتمراً في طرطوس في 25/1/1939، قرر فيه رفع مذكرة إلى السلطة الفرنسية تضمنت: إن محافظة اللاذقية جزء لا يتجزأ من سوريا... تأييد المعاهدة المعقودة بين الكتلة الوطنية وفرنسا بشأن استقلال سوريا... تأييد مقررات المجلس النيابي السوري في جلسة 31/11/1938 بشأن انضمام محافظة اللاذقية إلى الجمهورية السورية.
تجلى انتصار التيار المنادي بالوحدة السورية في الزيارة التي قام بها سنة 1944  شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية لمحافظة اللاذقية. فقد جرت له استقبالات رسمية وشعبية حافلة بدأت من مصياف، وانتهت في تلكلخ. وفي رأس الخشوفة قرب صافيتا أقام يوسف الحامد سرداقاً ضخماً عند مدخل القرية، وألقى الشيخ عبد اللطيف إبرهيم قصيدة ذات مغزى جاء فيها:
هذي الجبال أساور عربية        صدئت، وأغفلت الشآم صقالها
وحسمت هذه الزيارة والاستقبالات الشعبية التي رحبت برئيس الجمهورية أمر الجبل العلوي بعدِّه جزءاً من "الوطن السوري العربي". وأخذت المشاعر الوطنية تتسارع مكتسحة أفئدة الجماهير، وبخاصة الفئات المتعلمة منها.
ومن خلال تتبع الأحداث يتبين بوضوح ان العلويين بأكثريتهم لم يسعوا إلى الدولة العلوية المستقلة عن الداخل ولم يرفعوا السلاح في وجه عاصمة بني امية التي حظيت بنصيب وافر من شعر بدوي الجبل. ودولة العلويين التي أقامها الانتداب الفرنسي لم تكن دولة العلويين بل كانت أداة في يد الحاكم الفرنسي. والمجلس التمثيلي لهذه الدولة ضمّ العلويين والمسيحيين والسنة والإسماعيليين. والكتلة الوطنية بمنطلقاتها النهضوية وعزيمتها اليعربية كان لها دور في توحيد البلاد وقيام الجمهورية السورية.

(أقسام من دراسة طويلة)

مؤرخ سوري

"النهار"

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ـ ملاحظة من"الحقيقة" : نأسف أن لا يتوفر بين أيدينا سوى هذه الصورة للدكتور عبد الله حنا ، المؤرخ السوري اللامع ، وهو من مواليد العام 1932 ، نتمنى له الصحة و العمر المديد ؛ ذلك في الوقت الذي تملأ فيه صور بائعات الهوى وزعماء المافيات و الحكام العرب .. شبكة الإنترنت بأكملها!

تتمة المواد في قضايا وآراء

المقال عدد القراءت تاريخ النشر
"معركة الوجود" بين حسن نصرالله والفاتح الجولاني 6603 الإثنين 30 - 12 - 2013 - 00:03
نهاية «النموذج التركي»! 5421 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
تحالف أوغاد "الأخوان" و"الوهابيين" 5396 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 21:10
"البوبو" 4827 الأربعاء 25 - 12 - 2013 - 20:58
سوريا بانتظار ما يسفر عنه الميدان.. لا «جنيف 2» 4638 الثلاثاء 24 - 12 - 2013 - 02:35
«ربيع إيران».. من كل الجهات 4053 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:45
فيروز ـــــ زياد واليسار والذئاب الرمادية 4320 الإثنين 23 - 12 - 2013 - 06:19
تَفَكُك «الجيش الحر» أم إطاحة .. الائتلاف؟ 4199 السبت 21 - 12 - 2013 - 23:30
ما إلنا غيرك يا الله!! 3692 السبت 21 - 12 - 2013 - 06:42
مسيحيو "داعش" وأخواتها 3221 السبت 21 - 12 - 2013 - 03:53
تصدر بالتعاون مع : "المجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا" و "المركز الأوربي لأبحاث ودراسات الشرق الأدنى في لندن"

Issued in Cooperation With:
The National Council for Truth, Justice & Reconciliation in Syria - SYNATIC And The European Centre for Near Eastern Researches & Studies in London - ECNERS

Copyright © 2008-2014 Syriatruth.net/org/info Custom Design by NeyoDesign

Login